محمد جواد مغنية

473

في ظلال نهج البلاغة

به . ومع فتق سمعه خط كمستدقّ القلم في لون الأقحوان أبيض يقق . فهو ببياضه في سواد ما هنالك يأتلق . وقلّ صبغ إلَّا وقد أخذ منه بقسط ، وعلاه بكثرة صقاله وبريقه وبصيص ديباجه ورونقه . فهو كالأزاهير المبثوثة لم تربّها أمطار ربيع ولا شموس قيظ . وقد يتحسّر من ريشه ، ويعرى من لباسه ، فيسقط تترى ، وينبت تباعا ، فينحتّ من قصبه انحتات أوراق الأغصان ، ثمّ يتلاحق ناميا حتّى يعود كهيئته قبل سقوطه . لا يخالف سالف ألوانه ، ولا يقع لون في غير مكانه . وإذا تصفّحت شعرة من شعرات قصبه أرتك حمرة ورديّة ، وتارة خضرة زبرجديّة ، وأحيانا صفرة عسجديّة . فكيف تصل إلى صفة هذا عمائق الفطن ، أو تبلغه قرائح العقول ، أو تستنظم وصفه أقوال الواصفين . وأقلّ أجزائه قد أعجز الأوهام أن تدركه ، والألسنة أن تصفه . فسبحان الَّذي بهر العقول عن وصف خلق جلَّاه للعيون فأدركته محدودا مكوّنا ، ومؤلَّفا ملوّنا . وأعجز الألسن عن تلخيص صفته ، وقعد بها عن تأدية نعته . وسبحان من أدمج قوائم الذّرّة والهمجة إلى ما فوقهما من خلق الحيتان والأفيلة . ووأى على نفسه أن لا يضطرب شبح ممّا أولج فيه الرّوح إلَّا وجعل الحمام موعده ، والفناء غايته .